[3] يظن بعض الأغنياء أنه إذا أخرج زكاة أمواله مرة في السنة، فقد برئت ذمَّته من كل حقٍّ مالي، ولم يَعُدْ مطالبًا بإخراج الصدقات، ولا التعاون على البر والتقوى، وهذا خطأ عظيم، ففي المال حق سوى الزكاة، وظاهر كثير من الآيات مشروعية الاستمرار في فعل الصدقات؛ كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾ [البقرة: 274]، وقوله سبحانه حاكيًا عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] على أحد القولين في تفسير الآية، وقوله سبحانه: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾ [النور: 37]، وقرن الله بين الإيمان والإنفاق فقال سبحانه: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 7]، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه في باب من قال: في المال حق سوى الزكاة (2/ 411) بسند صحيح عن إبراهيم النَّخَعي قال: (كانوا يرون في أموالهم حقًّا سوى الزكاة)، وروى بإسناد صحيح عن مجاهد: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24، 25]، قال: (سِوى الزكاة)، وروى أيضًا عن ابن عمر وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري أن في المال حقًّا سوى الزكاة، واستدل ابن حزم على أن في المال حقًّا سوى الزكاة بأحاديث منها ما رواه البخاري (3046) من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَانِيَ))، ونقل ابن حزم ذلك عن جمع من الصحابة؛ كعمر وعلي وابن عمر، والحسن بن علي وعائشة، وأبي عبيدة وأبي سعيد الخدري، ثم قال ابن حزم: "هذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضي الله عنهم، لا مخالف لهم منهم، وصح عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة"؛ يُنظر: المحلى لابن حزم (4/ 282، 283)، وجمهور الفقهاء أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 497): "قول الجمهور أنه لا حق في المال يجب سوى الزكاة، وما جاء من غير ذلك، فعلى سبيل الندب وكرم الأخلاق"، وقال ابن حجر في فتح الباري (10/ 28): "قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة"، والظاهر أن كثيرًا من خلاف الفقهاء في هذه المسألة خلاف لفظي، قال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (1/ 88): "ليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة؛ فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء"، وقال مرعي الحنبلي في غاية المنتهى (1/ 341): "ليس في المال حق واجب سوى الزكاة، وقد يَعرِض ما يوجبه كإطعام جائع ونحوه"، وقال النووي في المجموع (3/ 3): "ليس في المال حقٌّ متأصل سوى الزكاة"، وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (7/ 316): "الزكاة تجب حقًّا لله في مال المسلم، وقولهم: ليس في المال حق سوى الزكاة أي: ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة، وإلا ففيه واجبات بغير سبب المال كما تجب النفقات للأقارب والزوجة والبهائم، ويجب حمل العاقلة، ويجب الإعطاء في النائبة، ويجب إطعام الجائع، وكسوة العاري فرضًا على الكفاية، إلى غير ذلك من الواجبات المالية لكن بسبب عارض"؛ انتهى بتصرف واختصار.
